طه عبد الرحمن
89
سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية
يمارسه هذا المتخلّق نازلا أعلى المراتب من الأفعال ومستحقا ما لا يستحقه غيره من الإكبار والإظهار . وقد أوردنا أيضا أن التخلّق المؤيّد يورّث صاحبه نظرة إنسانية واسعة ؛ ومن آثار هذه النظرة اتساع قلبه لبني البشر قاطبة ، فلا يبالي بالفروق بين الأجناس ولا بين الأعراق ولا بين المواطن إلا ما كان منها مخالفا لمقتضى التقرب إلى مقصوده الأسمى ، فتملأ قلبه محبة تكاد تشمل الناس جميعا على اختلاف ألوانهم وأشكالهم وأوضاعهم ، نظرا لأنه يستمد محبته لهم من محبة هذا المقصود الأعظم ، ويلتزم فيها بآداب هذه المحبة العظمى ؛ وكل فعل خلقي اقترن بمثل هذه المحبة لا يمكن إلا أن يكون أوسع فعل يضم غيره ولا يضمه غيره . وقد أشرنا أخيرا إلى أن التخلّق المؤيّد يزوّد صاحبه بالقدرة على التذوق الجمالي ؛ وواضح أن هذا التذوق يتعلق بما يمكن أن نطلق عليه اسم " الجماليات العليا " ، وهي الجماليات التي تتخطى حدود العقل إلى ما فوقه والتي تمد العقل نفسه بأنواره وأطواره ، ولا يتعلق هذا التذوق أبدا بما تحت العقل ، كما هو شأن الجماليات السفلى التي يستغرق أصحابها في الحس ، ظانين ، عن ضلال فاحش ، أنهم يغوصون على كنوز المعاني وذخائر القيم ؛ وإذا كان الفعل الخلقي يتوجه إلى الأفق الجمالي الذي يأتي من بعد كمال العقل ، فلا يمكن إلا أن يكون فعلا ثرّا دفّاقا يمد غيره ولا يمده غيره . وعلى الإجمال ، فإن آفة التنقيص التي لحقت الفعل الخلقي في حضارة القول ، حتى امتهن ( بضم الهاء ) الداعوان إليه امتهانا ، يمكن الخروج منها بوسائل العلاج الثلاث الآتية : إما إبراز الصلة بين الفعل الخلقي وبين السعادة ، أو توسيع النظرة إلى الإنسان ، أو تهذيب الذوق الجمالي حتى يقدر على تملّي المعاني الخلقية ؛ ومتى سلمنا بهذا ، لزم القول بأن نتائج التخلّق المؤيّد هي أقدر من غيرها على تصحيح حضارة القول من جهة تنقيصها من شأن الفعل الخلقي . وفي ختام هذا العرض ، نستجمع كلامنا فنقول : إن حضارة القول التي هي الوجه الثاني لحضارة " اللوغوس " الحديثة ظلمت الإنسان بترجيحها جانب القول على الجانب الفعل ، واتخذ هذا الظلم مظاهر تجلت في مضرات ثلاث أصابت الفعل الخلقي ، وهي : التضييق من مجاله وتجميد حاله والتنقيص من شأنه .